مصطفى ديب البغا / محيي الدين ديب مستو
168
الواضح في علوم القرآن
قوة التفكير على قوة الوجدان ، ولا قوة الوجدان على قوة التفكير ، وهكذا تجد وأنت تقرأ القرآن أن العقل يفهم والخيال يتصور ، وذلك خلاف المألوف والمعروف لدى قراءة أي كلام أو كتاب آخر . واقرأ - على سبيل المثال - قوله تعالى : إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ « 1 » ( 8 ) وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [ يس : 8 - 9 ] . وانظر كيف تضع في خيالك إنسانا يلتف حول عنقه غل عريض ، مرتفع إلى ذقنه ، جعل رأسه صاعدا إلى الأعلى لا يتحرك ، فتلك هي الصورة الساخرة للتكبر . ثم انظر حاله وهو في مكان مغلق ، وقد غشى الظلام على بصره ، فهو لا يملك حراكا نحو أي اتجاه ، وتلك هي صورة من لم ينفع معه هدي ، وظل في ضلاله . رابعا - جلال الربوبية وكبرياء الألوهية في آياته من أجلى مظاهر الإعجاز في القرآن الكريم ما يوجد في كثير من آياته من جلال الربوبية وكبرياء الألوهية ، بقطع النظر عن المعنى الذي يؤديه اللفظ . وهذا مما لا يقوى على اختلاقه أي إنسان ، في أي صنف من أصناف المعاني والكلام . وبيان ذلك : أن الكلام مرآة لطبيعة المتكلم ، تتجلى فيما يكتب أو يقول ، وتزداد وضوحا كلما تنوعت أبحاثه ومواضيعه . وإذا كان في مقدور الإنسان أن يظهر بصورة طبيعية أخرى ، فإن ذلك لا يمكن أن يصل إلى حد التناقض ، بحيث ينطبع بخصائص البشرية تارة ، وبخصائص الألوهية أخرى . وإذا كان هذا غير ممكن ، فلا يمكن لإنسان ما أن يصوغ كلاما ينشر من حوله عظمة الربوبية وكبرياء الألوهية في صياغة لا تكلف فيها ولا تمثيل ، كما هو ظاهر في كلام اللّه عزّ وجلّ . واقرأ - على سبيل المثال - قوله تعالى : إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ( 14 ) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى [ طه : 14 - 15 ] .
--> ( 1 ) مقمحون : رافعو رؤوسهم ، يقال : أقمح الغل الأسير إذا ترك رأسه مرفوعا .